Ansar Gallery
الاثنين 27 يناير 2020 11:03:55 صباحاً
مشاهدات : (349)

فراس سليم

قد يتساءل البعض عن السبب وراء أن مصرف لبنان يدير مرفقاً هاماً مثل طيران الشرق الأوسط بوصفه سلطة الوصاية على الشركة. إن السبب في ذلك هو افلاس بنك انترا في ستينات القرن الماضي، ما جعل البنك المركزي مالكاً لشركة الطيران منذ ذاك الوقت.

عند تصفية أي مؤسسة في العالم، يتم بيع أصولها المادية والمعنوية للايفاء بحقوق دائنيها، وهذا ما حصل مع بنك انترا وقت ذاك. وفي مقاربة اقتصادية بسيطة، نستطيع القول بأن الدولة اللبنانية مدينة للمصرف المركزي الى جانب صندوق الضمان الاجتماعي بأكثر من 60 بالمائة من دينها العام، فيما لا يتعدى مجمل دين المصارف التجارية للدولة حدود الـ 40 بالمائة فضلاً عن نسبة ضئيلة جداً تعود للقطاع للخاص غير المصرفي.

إن هذه الحقيقة هي صمّام آمان للمالية العامة للدولة اللبنانية، حيث أن 60 بالمائة من دينها مُستدينته الدولة اسمياً من نفسها أي من المصرف المركزي. وفي ضوء هذه الحقيقة، إن المشكلة الجوهرية التي تواجه لبنان حالياً هي نقص السيولة في الدولار الذي نرى بأن ثلاث جهات مسؤولة عن شحه في سوقه هي المصرف المركزي الذي زاد من احتياطاته منه لحاجاته لسد ديون الدولة والمصارف التجارية التي تحفظ أموالها بالعملة الصعبة في الخارج والمودع العادي الذي فضّل أن يحذو حذو المصرف المركزي والمصارف التجارية بالاحتفاظ بأمواله من العملة الصعبة في منزله.

كما أن واصل الدولار على الخروج من لبنان لخدمة تشغيل قطاع الكهرباء ولسد حجم استيرادات كبير جداً من الممكن الاستغناء عن نسبة منه عبر تقوية الصناعة المحلية. وإن خروج العملات الصعبة هذه على مدى تسع سنوات مضت (2011 الى 2019) قد جعل من ميزان المدفوعات سالباً طيلة تلك الفترة مقابل تحويلات مالية الى الداخل مقبولة ولكن غير كافية لسد العجز في هذا الميزان وفي ضوء نمو اقتصادي لم يتعد الواحد بالمائة سنوياً بأحسن حالاته. وبالتالي، إن مشكلة السيولة بالعملة الصعبة هو التحدي الاساس للدولة في الوقت الراهن في وقت سددت الدولة اللبنانية سندات دولية قيمتها 1.5 مليار دولار التي استحقت يوم 28 نوفمبر الفائت وهي تقول بأنها قادرة على تسديد الدين المستحق في الفصل الأول من العام 2020، ما يعتبر مؤشراً ايجابياً بأن التعثر لم يحصل أقله حتى نهاية تلك الفترة.

بذلك، نرى بأن القطاع العقاري هو الرافعة التي تستطيع النهوض بالاقتصاد اللبناني وجذب استثمارات خارجية له. ويأتي هذا من حقيقة أن اللبناني المغترب شديد الحرص والرغبة في شراء عقارات في الوطن الأم.

وقد يكون الحل الذي نقترحه بمقايضة أملاك عقارية تابعة للدولة اللبنانية بدينها لصالح مصرف لبنان ناجعاً حيث اسمياً لا يزال ملك هذه العقارات يعود الى الدولة اللبنانية ولكن نكون قد حوّلنا ملكيتها الى المصرف المركزي الذي نسلّم له قيادة دفة القطاع العقاري من خلال تأسيس شركة تطوير عقاري "عامة" تعّد من الأكبر في الشرق الأوسط لحيازتها على محفظة أراضي كبيرة وذات طلب داخلي كبير.

إن إمتلاك هذه المؤسسة العامة لهذه المحفظة العقارية يجعلها الشركة الوحيدة في العالم التي تملك قاعدة عملاء فعلية يرغبون في الاستثمار فيها وأعني بهم كبار المودعين اللبنانيين الحاليين.  

هناك من الخبراء الاقتصاديين من سيقول بأن هذا "هرطقة" اقتصادية ولكن نرى فيه حلاً ناجعاً للأزمة المالية التي تعم بالبلاد، حيث أن المودع اللبناني، لا سيما من فئة المودعين الكبار، لن يمانع أبداً أن يتم تحويل أمواله الى عقارات بكافة أشكالها اذا ما مُنح هذا الخيار من قبل جهة موثوقة وأعني بها المصرف المركزي.   

كما أن مصرف لبنان يشغّل مرفقاً هاماً للدولة مثل شركة طيران الشرق الأوسط الذي تخضع إدارتها بشكل مباشر للمصرف وتحقق ربحاً سنوياً يوازي الـ 30 مليون دولار اميركي. فما الضير بأن يقوم المصرف أيضاً بتأسيس شركة تطوير عقاري "عامة" وأشدد على كلمة عامة لإدارة الأراضي الشاسعة التي تملكها الدولة اللبنانية على حدود الوطن.

بهذا ينخفض الدين العام الذي يشكل أكثر من 150 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي الى حدود الـ 70 بالمائة من خلال إلغاء المصرف المركزي دينه لصالح الدولة اللبنانية، ما سيقدم تصنيفنا الائتماني العالمي حيث لا ينفك الخبراء الماليون والمصرفيون يوفرون مناسبة لذكر أن لبنان هو الدولة ما قبل الاخيرة في العالم لجهة نسبة الدين العام من الناتج المحلي الاجمالي.  

ونكون بذلك أمام "سواب" من نوع آخر وهو سواب عقاري. إن الشركة الجديدة التي من الممكن أن تنبثق من جناح مصرف لبنان ستكون عامة أي أنها تحت إدارة مباشرة من المصرف وتتبع له، ولن تكون بأي شكل من الاشكال شركة خاصة أو مساهمة عامة. وقد تعمل الشركة الجديدة بوصفها المطور العام على استقطاب شركات تطوير عقاري فرعية لتطوير مشاريع منتقاة منها وبالتالي جذب الاستثمارات الخارجية على الأمد الطويل، ما سيعزز من ميزان المدفوعات.   

هذا الأمر سوف يجعل من المودعين اللبنانيين أكثر تحفيزاً لمقايضة أموالهم المودعة باستملاك عقارات يتم بيعها لهم ضمن معيار موحد للتسعير وبدون استنسابية وبكل شفافية. ولطمأنة اللبنانيين المودعين، من الممكن أن تخضع الشركة الجديدة لتدقيق محاسبي شفّاف من شركة دولية محايدة لضمان الشفافية والنزاهة في إدارتها.

وتستطيع شركة التطوير العقاري المنبثقة من الدولة والتي تملك الأرض أن تطوّر كافة أنواع المنازل والشقق السكنية على اختلاف فئاتها ومقايضتها بأموال المودعين بشكل اختياري وليس اجباري.

هذا الأمر سوف يعزز من الناتج المحلي الإجمالي ومن الممكن أن يصبح في المستقبل نموذجاً لاستقطاب رؤوس أموال خارجية من المغتربين اللبنانيين، ما سيخفض عجز ميزان المدفوعات السالب منذ العام 2011. كما أنه على المدى الطويل، سيخفّض من نسبة الدين للناتج المحلي الاجمالي الى حدود دنيا لقدرة قطاع العقارات على تشغيل العجلة الاقتصادية للبلاد وبالتالي رفع الناتج المحلي الاجمالي.

بذلك يكون مصرف لبنان قد حرّك العجلة الاقتصادية وأعطى المودعين خيار "السواب" العقاري الذي بإعتقادي لن يكون هناك لبنانيين ممانعين له لرغبة اللبناني الدائمة بشراء عقار في الوطن الأم.